الغزالي
81
إحياء علوم الدين
وكل عالم اشتد حرصه على التعليم ، يوشك أن يكون غرضه القبول والجاه ، ولحظه تلذذ النفس في الحال ، باستشعار الإدلال على الجهال والتكبر عليهم . [ 1 ] فآفة العلم الخيلاء كما قال صلَّى الله عليه وسلم . ولذلك حكي عن بشر ، أنه دفن سبعة عشر قمطرا من كتب الأحاديث التي سمعها ، وكان لا يحدث . ويقول : إني أشتهي أن أحدث ، فلذلك لا أحدث ولو اشتهيت أن لا أحدث لحدثت . ولذلك قال : حدثنا باب من أبواب الدنيا . وإذا قال الرجل حدثنا ، فإنما يقول أوسعوا لي . وقالت رابعة العدوية لسفيان الثوري : نعم الرجل أنت لولا رغبتك في الدنيا . قال وفيما ذا رغبت ؟ قالت في الحديث . ولذلك قال أبو سليمان الداراني : من تزوج أو طلب الحديث ، أو اشتغل بالسفر ، فقد ركن إلى الدنيا فهذه آفات قد نبهنا عليها في كتاب العلم ، والحزم الاحتراز بالعزلة ، وترك الاستكثار من الأصحاب ما أمكن . بل الذي يطلب الدنيا بتدريسه وتعليمه ، فالصواب له إن كان عاقلا في مثل هذا الزمان أن يتركه ، فلقد صدق أبو سليمان الخطابي حيث قال : دع الراغبين في صحبتك والتعلم منك ، فليس لك منهم مال ولا جمال ، إخوان العلانية أعداء السر ، إذا لقوك تملقوك ، وإذا غبت عنهم سلقوك ، من أتاك منهم كان عليك رقيبا ، وإذا خرج كان عليك خطيبا ، أهل نفاق وتميمة ، وغل وخديعة ، فلا تغتر باجتماعهم عليك ، فما غرضهم العلم بل الجاه والمال ، وأن يتخذوك سلما إلى أوطارهم وأغراضهم ، وحمارا في حاجاتهم ، إن قصرت في غرض من أغراضهم ، كانوا أشد أعدائك ، ثم يعدون ترددهم إليك دالة عليك ويرونه حقا واجبا لديك ، ويفرضون عليك أن تبذل عرضك وجاهك ودينك لهم ، فتعادي عدوهم ، وتنصر قريبهم وخادمهم ووليهم ، وتنتهض لهم سفيها ، وقد كنت فقيها ، وتكون لهم تابعا خسيسا ، بعد أن كنت متبوعا رئيسا ، ولذلك قيل اعتزال العامة ، مروءة تامة : فهذا معنى كلامه ، وإن خالف بعض ألفاظه . وهو حق وصدق . فإنك ترى المدرسين في رق دائم ، وتحت حق لازم ، ومنة ثقيلة ممن يتردد إليهم ، فكأنه يهدى تحفه إليهم ، ويرى حقه